التخطي إلى المحتوى

أروع وأجمل القصص والحكايات نقدمها لكم اليوم من خلال موقع قصص وحكايات، قصص من كتاب الف ليلة وليلة بعنوان قصة عجيب الزمان، اقرؤوها الان من خلال قسم: قصص قصيرة ، استمتعوا الآن بقراءتها .

قصة عجيب الزمان
حمل الجنيان حسن بدر الدين وهو نائم فطارا به من مصر ووضعاه على أحد أبواب مدينة دمشق حتى ينجو من المكيدة ، التي دبرها له ملك مصر بعد أن تزوج ابنة عمه ست الحسن بدلا من الأحدب الدميم ، سائس الملك .. فلما أشرقت الشمس ، وسقط شعاعها على وجه حسن استيقظ ، ليجد نفسه نائما على أبواب مدينة غريبة ، لم يرها من قبل .. فأخذ ينظر إلى المدينة متعجبا .. ثم قال : لقد كنت نائما عند مقبرة أبي في البصرة بعد أن فررت من عسكر الملك ، الذي عزلنی من الوزارة ، وأمر بالقبض على ، ومصادرة أموالی ، بعد أن وشی بی الحاسدون ..

ثم تذكر فجأة أنه كان في مصر ليلة أمس ، فقال : لقد كنت في مصر ليلة أمس ، وتزوجت ابنة عمى ست الحسن وبت في قصر عمى .. كيف حدث ذلك ؟! كيف أكون نائما بجوار قبر أبي في البصرة، ثم أذهب إلى مصر ثم أستيقظ لأجد نفسي نائما على أبواب هذه المدينة الغريبة ؟! هل من المعقول أن يحدث كل ذلك في ليلة واحدة ؟! لا .. لا .. لابد أنني كنت أحلم .. وحتى لو كان ذلك كله قد حدث في الحلم ، فكيف جئت إلى هنا ؟! وكاد حسن يجن من كثرة التفكير فيما حدث .. ولكی يزيل عن نفسه هذه الخواطر الغريبة التي أقلقته قال : من الأفضل أن أنهض ، وأسأل عن هذه المدينة الغريبة ، حتى أعلم أين أنا ..

وتوجه إلى داخل المدينة، فسأل بعض الناس عنها ، فأخبروه أنها مدينة دمشق وقال له أحدهم هازئا : كيف تأتي إلى مدينة لا تعرف حتى اسمها ؟! فقال له حسن بحسن نية : والله يا أخي لقد كنت بالأمس في البصرة وهذه الليلة كنت نائما في مصر وفي الصباح وجدت نفسي على أبواب هذه المدينة ، ولهذا أرجو أن تعذروني .. فلما قال لهم حسن ذلك انفجر الجميع في الضحك ، وأخذوا يتغامزون عليه ، ظنا منهم أنه مجنون ، وقال له أحدهم هازئا : نعم نعذرك .. طالما أنك مجنون ، فمن حقك أن تتخيل أي شيء ، وأن تقول ما يحلو لك .. فقال لهم حسن : والله يا إخوان ما أنا بمجنون ، ولكن ذلك حدث .. ولقد تزوجت ابنة عمي وزير مصر هذه الليلة .. فزاد صخب الناس ، وسخريتهم منه ، وراح كل منهم يتعجب منه على طريقته ، وقال له أحدهم : لعلك رأيت كل ذلك في المنام ، لأنك كنت نائما في العراء بدون غطاء …

فأقسم لهم حسن إن ذلك كله قد حدث له حقيقة ، وليس مناما ، فتأكد الناس أنه مجنون ، وأخذوا يزفونه ويقذفونه بالحجارة ، وهو يجرى منهم ، حتى وصل إلى دكان بائع حلوى وفطائر ، فدخل الدكان مستجيرا بصاحبه ، فأجاره وفرق الناس عنه .. وأجلس (حسن) وقدم له بعض الفطائر والحلوى ليأكل .. فلما شبع شكره ، وسأله الفطائرى عن قصته ، فحكى له حسن حكايته من البداية إلى النهاية ، فتعجب الرجل وقال : هذا أمر عجيب ، وحديث غريب ، ولذلك فأنا أنصحك أن تكتمه يا ولدي ، ولا تحدث به أحدا ، حتی يجعل الله لك فرجا ومخرجا من أمرك ..

وعاش حسن بدر الدين في ضيافة صانع الفطائر .. في النهار يعمل معه في دكانه ، وفي الليل ينام عنده في البيت .. هذا ما كان من أمر حسن .. أما ست الحسن فإنها عندما استيقظت من نومها ، لم تجد حسن بجوارها ، وبحثت عنه في القصر ، فلم تجده فأخبرت والديها بذلك ، فتعجب الجميع ، وقالت الأم : لعل الذي تزوجك ليلة أمس لم يكن ابن عمك حسن لعلنا خدعنا في شاب نصاب انشقت عنه الأرض فاختفى فجأة ، كما ظهر فجأة .. فقال الوزير (شمس الدين ) مستنكرا .. لا .. إنه ابن أخي نور الدين وهو يشبهه تمام الشبه ..

لقد عرفته بمجرد رؤيته .. وبينما الجميع حائرون في تفسير ما حدث ، قالت ست الحسن :
لقد نسي عمامته .. لعلنا نجد شيئا فيها يدل على شخصيته.. وعندما أحضروا العمامة وفتشوا فيها عثروا على الخطاب الذي كان نور الدين قد كتبه لأخيه شمس الدين قبل وفاته ، فلما رآه شمس الدين فرح وقال : هذا خط أخي .. وهذا توقيعه .. وهذا خاتمه .. أنا أعرفهما جيدا ..
إذن فزوجك يا بنتي هو ابن عمك حسن .. ولكن أين ذهب ؟! وبينماهم في هذه الحيرة جاء جنود الملك ، ليلقوا القبض على حسن فقال لهم ( شمس الدين ): أمامكم القصر ففتشوه ، وإذا وجدتم (حسن) فدلونا عليه .. وبالطبع فقد انصرف الجنود خائبين ..

وزاد غيظ الملك من وزيره شمس الدين وقرر عزله من منصبه وتعيين آخر مكانه ، لكن الوزير شمس الدين أخبره بحقيقة ما حدث وأقسم له إنه لم يكن له دخل في أي شيء ، وإنه لا يعلم شيئا عما حدث لسائسه ، وإنه لا يعلم حتى مكانه .. فتعجب الملك ، وعفا عنه ، واستمر وزيرا له ..  مضت الشهور بعد ذلك ، والوزير شمس الدين ينتظر عودة ابن أخيه ، دون جدوى .. وعندما مضت تسعة شهور ، وضعت ست الحسن ولدا يشبه أباه حسن تمام الشبه ، فسماه جده  عجيب الزمان ..

مضت الأيام والسنوات بعد ذلك سريعة حينا ، بطيئة أحيانا .. انقطعت أخبار حسن عن البصرة وعن مصر وانقطعت أخباره عنهما ، واستمر يعمل لدى بائع الحلوى والفطائر .. وخلال هذه السنوات كبر عجيب الرمان وأخذ يتردد مع رفاقه على مجالس العلم ، وحتى هذا الوقت كان يظن أن جده شمس الدين هو أبوه ، وكان يناديه دائما : يا أبي ..

وذات يوم كان رفاقه يلعبون لعبة ، يذكر كل منهم فيها اسم أبيه .. فلما جاء الدور على عجیب الزمان وسألوه عن اسم أبيه ، قال : شمس الدين فضحك الرفاق .. وقالوا : إن شمس الدين  هو اسم جدك وليس اسم أبيك .. إن من لا يعرف اسم أبيه لا يستحق أن يلعب معنا ، أو يكون رفيقنا.. فتركهم عجيب الزمان وعاد إلى أمه باكيا ، فلما سألته عن سبب بكائه أخبرها بما حدث من رفاقه ، وكيف سخروا منه لأنه لا يعرف اسم أبيه ، فتأثرت من أجله وقالت له : أبوك هو حسن بدر الدين .. فقال لها : كل الأولاد يرون آباءهم ، وأنا لم أر أبی أبدا، فقالت له في تأثر : أبوك مسافر ، وسوف يعود يوما ما ..

وكان أبوها الوزير شمس الدين حاضراً فتأثر من أجل ابنته ومن أجل حفيده وقال : بل نحن الذين سنذهب للبحث عنه في البصرة .. وأمر الوزير شمس الدين خدمه وعبيده أن يعدوا العدة للسفر ، بعد أن استأذن الملك في السفر بحثا عن ابن أخيه .. وفي اليوم التالي تحرك موكب الوزير شمس الدين مغادرا أرض مصر في طريقه إلى البصرة .. وصار موكب الوزير كلما وصل إلى مدينة من مدن الشام ، أمر بالتوقف والنزول للراحة في تلك المدينة لمدة يومين ، ثم يواصلون السفر في اليوم الثالث … وهكذا حتى وصلوا إلى مدينة دمشق فأمر الوزير بضرب الخيام والنزول على مشارفها ..

وكان من عادة عجيب في كل مدينة يصلون إليها ، أن يخرج مع خادمه للتنزه في المدينة ، ومشاهدة عجائبها ، وشراء كل ما يحبه من تلك المدينة ، وما تحبه أمه وجده .. فلما نزلوا في دمشق خرج  عجیب مع خادمه يتنزهان في شوارعها .. ويشاء القدر أن يمر (عجيب الزمان) بحانوت الفطائر والحلوى الذي يعمل فيه والده  حسن بدر الدين  فيدخل عجیب الحانوت ليأكل الحلوى ، فيراه والده ، وينجذب إليه بطريقة غامضة ، خاصة بعد أن تحقق من الشبه الكبير بينهما .. ويقول حسن في نفسه : هذا الغلام يشبهني تمام الشبه .. لو أني أنجبت ولدا ، فإنه لم يكن يفرق عن هذا الغلام في شيء ..

ومن جانبه يجد عجیب نفسه منجذبا نحو والده ، وهو لا يدرى أنه والده ، ولا أي شعور غامض يجذبه نحوه … ويزداد شعور التقارب بين الأب وابنه عندما يعلم حسن من عجيب الزمان أنهم قادمون من مصر ، وأنهم في طريقهم إلى البصرة .. ويهم حسن أن يسأله عن مزيد من المعلومات عن أبيه وأمه ، فيترك عجیب الرمان الحانوت منصرفا مع خادمه ، حتى لا يقلق عليه جده وأمه .. وما إن يغادر عجيب الزمان الحانوت حتى يشعر حسن كأن قطعة منه نزعت ، فلا يستطيع البقاء في الحانوت لحظة بعدها .. ولذلك يستأذن صاحب الحانوت في الخروج لأمر مهم ، ويغادر الحانوت مسرعا ، حتى يلحق ب  عجيب قبل أن يغيب عن عينيه ..

وما إن يراه سائرا أمامه في الشارع ، حتى يعود إليه هدوءه واطمئنانه .. وهكذا يظل حسن سائرا خلف عجیب حتى يصل إلى مضارب خیام جده ، ويغيب بداخلها .. ويشعر حسن  بأن شيئا قويا يربطه بهذه الخيام ، وأن القدر يشده إليها .. ویری حسن  أحد الخدم داخلا إلى الخيام ، فيناديه ويسأله في لهفة : لمن هذه الخيام ؟! فيجيبه الخادم : إنها خيام سيدي الوزير شمس الدين .. وما إن يسمع حسن هذا الاسم ، حتى يتهاوى من المفاجأة ، حتى يكاد يسقط على الأرض ، لكنه يتمالك نفسه ، ويقول للخادم : إذن أخبره أن ضيفا بالباب .. فيسأله الخادم : أقول له من یا سیدی ؟! فيقول حسن : قل له ابن أخيك حسن بدر الدين .. فيصيح الخادم في فرحة :

سیدي حسن؟! لقد كنا في طريقنا إلى البصرة للبحث عنك .. ويسرع الخادم ليخبر الوزير شمس الدين وابنته ست الحسن بأن سيده حسن واقف بالباب .. ويسرع الجميع باستقبال حسن وهم لا يكادون يصدقون أنهم عثروا عليه بهذه البساطة .. فيحتضن حسن ولده عجيب الزمان قائلا : الفضل يرجع لولدي .. لولاه ما عثر أحدنا على الآخر .. فيقول عجيب الزمان : بل الفضل يرجع للحلوى التي صنعتها بيديك يا أبي ، فلولاها ما دخلت دكانك ولا رأيتك أو رأيتني .. فيضحك الجميع ويشكرون الله على جمع شملهم بعد هذه الفرقة التي طالت سنوات ..

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *